الأسبوع العربيحقوق الإنسان

المراهنات الإلكترونية في الميزان القانوني: بين القصور التشريعي وآليات المواجهة الجنائية التقليدية

القانون و الرأى العام

بقلم : عمر آل سعديه

شهدت الآونة الأخيرة انتشاراً واسعاً لمنصات وتطبيقات المراهنات عبر شبكة الإنترنت، والتي استهدفت فئات واسعة من الشباب تحت ذريعة الربح السريع. وأمام هذا التدفق الرقمي، برز تساؤل قانوني جوهري حول مدى قدرة النصوص التشريعية التقليدية في قانون العقوبات المصري على استيعاب تلك الظاهرة الحديثة، وكيفية توفيق أحكامها مع مبدأ الشرعية الجنائية الرصين: “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”.

أولاً: البطلان المدني لأعمال الرهان والقمار

من الزاوية المدنية، حسم القانون المدني المصري في المادة (739 وما بعدها) الطبيعة القانونية لعقود الرهان والمقامرة، حيث أسبغ عليها وصف البطلان المطلق لعدم مشروعية السبب والمحل، واعتبارها من العقود الاحتمالية المخالفة للنظام العام. وترتب على ذلك أثران مباشر المدى:

عدم جواز المطالبة القضائية بأي أرباح ناتجة عن الرهان.

حق من أدى شيئاً في رهان أو قمار في استرداد ما أداه، لكون الوفاء بغير سبب مشروع.

ثانياً: التكييف الجنائي التقليدي وحدود تطبيقه

بالانتقال إلى الشق الجنائي، يلاحظ أن قانون العقوبات المصري لم يضع نصاً خاصاً يعاقب على فعل “المراهنة الفردية” كمجرد ممارسة، وإنما ركز التجريم على الأفعال التنظيمية والإدارية:

إدارة ألعاب القمار (المادة 352 عقوبات): جَرّم المشرع فعل إعداد أو إدارة أو تهيئة مكان لألعاب القمار المفتوح لدخول الجمهور، وفرض عليها عقوبة الحبس والغرامة فضلاً عن المصادرة وجوباً.

المحال العامة: حظرت القوانين المنظمة للمحال العامة ممارسة ألعاب الرهان والقمار داخل المحال الترخيصية، ورتبت على ذلك عقوبات سالبة للحرية وأحكاماً بإغلاق المنشأة.

تحدي التكييف: هذا المنظور التقليدي كان يستلزم دائماً وجود “مكان مادي” وإدارة ملموسة، وهو ما أوجد ثغرة إجرائية عند ظهور التطبيقات الرقمية والمنصات العابرة للحدود.

ثالثاً: المواجهة عبر القوانين الخاصة والتكامل القضائي

لأجل سد هذا الفراغ وملاحقة المنصات الحديثة (مثل تطبيقات الرهان الرياضي)، اتجهت النيابة العامة والقضاء المصري إلى إسباغ التكييف القانوني للجريمة عبر منظومة القوانين المكملة:

1. قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (رقم 175 لسنة 2018)

المادة (25): تُكيَّف أنشطة الترويج والإدارة لمواقع المراهنات باعتبارها جريمة اعتداء على المبادئ والقيم الأسرية والمجتمعية، وتصل عقوبتها للحبس وغرامات مالية تصل إلى 100 ألف جنيه.

المادة (27): تُجرّم إنشاء أو إدارة أي موقع أو حساب خاص على شبكة معلوماتية يهدف إلى ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جريمة معاقب عليها قانوناً.

2. التشريعات المصرفية والتعامل بالنقد الأجنبي (القانون 194 لسنة 2020)

تعد الأداة الأقوى حالياً لملاحقة وكلاء وسماسرة هذه المنصات، حيث يتم تكييف تجميع أموال المراهنين وتحويلها للخارج عبر المحافظ الإلكترونية أو العملات المشفرة بوصفها:

جرائم تعامل في النقد الأجنبي خارج السوق المصرفي الرسمية.

تحويل أموال بدون ترخيص من البنك المركزي.

وهي جرائم تصل عقوباتها إلى السجن المشدد، وغرامات مالية بملايين الجنيهات، مع مصادرة المبالغ المضبوطة.

3. التكييف بجريمة النصب (المادة 336 عقوبات)

تُسند النيابة العامة في كثير من الوقائع للمروجين والوكلاء المحليين تهمة الاستيلاء على أموال المواطنين باستخدام طرق احتيالية وإيهامهم بربح وهمي، لتستغرق هذه الجريمة السلوك الإجرامي المرتكب.

وتظهر خطورة تلك الظاهرة في التأثير على المتعدى ليس فقط لاطراف المراهنة أو المقامرة وانما إلى الأطراف التى تتخذ القرار المراهن عليه و خصوصا اذا تم وضع مبالغ مالية كبيرة وفى ذلك فتح الابواب الفساد و التلاعب و تحويل كافة الإجراءات القانونية اللازمة إلى مسارات ملتوية تحت تأثير أموال المراهنات والتى تعتبر ستار اسود وعميق ترتكب خلفة ابشع الصفقات المشبوهة فى كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية و السياسية وصناعة قرارات مصيرية تتحول عن نصابها الصحيح بفعل التأثير المتزايد لأموال المقامرات و الرهانات الذى لابد من تجريمة والذى يؤيد إلى صور من الجريمة تدفع أفراد وأشخاص ممن يتولون الوظائف العمومية في دولتهم للانتفاع بأموال المتحصلة من المقامرات و الرهانات

إن مواجهة ظاهرة المراهنات الإلكترونية في التشريع المصري تستند حالياً إلى تكامل النصوص بين قانون العقوبات والقوانين الخاصة (السيبرانية والمصرفية). غير أن تطور الأساليب الرقمية يستدعي التفكير في إفراد تدخل تشريعي خاص صريح يجرم المراهنة الإلكترونية بذاتها، ويضع أطراً واضحة للمسؤولية الجنائية للمروج والوسيط والمراهن، لضمان سد كافة منافذ التفسير وتحقيق الردع العام والخاص.

بقلم: عمر آل سعديه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى